ابن الجوزي
241
صيد الخاطر
الأسف والحسرة . ومن تلمح صبر يوسف عليه السلام وعجلة ( ماعز ) بان له الفرق ، وفهم الربح من الخسران . ولقد تأملت نيل الدر من البحر فرأيته بعد معاناة الشدائد . ومن تفكر فيما ذكرته مثلا بانت له أمثال ، فالموفق من تلمح قصر الموسم المعمول فيه ، وامتداد زمان الجزاء الذي لا آخر له انتهب حتى اللحظة ، وزاحم كل فضيلة ، فإنها إذا فاتت فلا وجه لاستدراكها . أو ليس في الحديث يقال للرجل : « اقرأ وارق فمنزلك عند آخر آية تقرؤها » . فلو أن الفكر عمل في هذا حق العمل حفظ القرآن عاجلا . 193 - كمال الايمان ليس المؤمن بالذي يؤدي فرائض العبادات صورة ، ويتجنب المحظورات فحسب . انما المؤمن هو الكامل الايمان ولا يختلج في قلبه اعتراض ، ولا يساكن فيما يجري وسوسة . وكلما اشتد البلاء عليه زاد ايمانه ، وقوي تسليمه . وقد يدعو فلا يرى للإجابة أثرا ، وسره لا يتغير لأنه يعلم أنه مملوك وله مالك يتصرف بمقتضى ارادته ، فان اختلج في قلبه اعتراض خرج من مقام العبودية إلى مقام المناظرة ، كما جرى لإبليس . والايمان القوي يبين أثره عند قوة البلاء ، فأما إذا رأينا مثل يحيى بن زكريا تسلط عليه فاجر فيأمر بذبحه فيذبح . وربما اختلج في الطبع أن يقول فهلّا رد عنه من جعله نبيا ؟ وكذلك كل تسلط من الكفار على الأنبياء والمؤمنين وما وقع رد عنهم . فان هجس بالفكر أن القدرة تعجز عن الرد عنهم كان كفرا . وان علم أن القدرة متمكنة من الرد وما ردت ، ويجوّع المؤمنين ويشبع الكفار ، ويعافي العصاة ويمرض المتقين ، لم يبق الا التسليم للمالك وان أمض وأرمض وقد ذهب يوسف بن يعقوب عليهما السلام فبكى يعقوب ثمانين سنة ولم ييأس ، فقال : « عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً » . وقد دعا موسى عليه السلام على فرعون ، فأجيب بعد أربعين سنة . « 1 »
--> ( 1 ) حديثه مشهور .